كل المؤشرات توحي أنّ لبنان دخل، مع بداية شباط، منطقة الاضطراب الشديد. فقائد الجيش العماد رودولف هيكل يخوض في واشنطن، محادثات عسكرية شديدة الدقة، بل هي واحدة من أكثر المفاوضات حساسية في تاريخ لبنان. وعند عودته، ستتبدّى ملامح المشهد الجديد: «الميكانيزم» التي استمات لبنان لبقائها، عادت فعلاً إلى الحياة، وتمّ تحديد مواعيد اجتماعاتها لثلاثة أشهر. لكن ميكانيزم «التنسيق» التي يفكر فيها لبنان ولّت، وحلّت محلها ميكانيزم «التنفيذ». وهذا ما سيضع الدولة وقوى الداخل في مأزق حادّ.
أول الذين يتحسبون للمأزق المقبل هو «حزب الله». ولذلك، هو اعتمد التكتيك الآتي: دفاعياً، رفع سقف الرفض والتصعيد إلى الحدّ الأقصى، وهجومياً، أطلق حملة استباقية قاسية ضدّ رئيس الجمهورية جوزاف عون، لإفهام الجميع أنّه مستعد لكسر المحرّمات إذا تعرّض سلاحه لضغط حقيقي.
لم يوارب «الحزب» في حملته التي بدأها قبل يومين، وشنّ فيها هجوماً شرساً على السفير سيمون كرم، مطلقاً عليه بعض النعوت. وطبعاً، هذا الهجوم يستهدف سياسياً رئيس الجمهورية و«مشروع العقلنة» الذي يدعو إليه، والذي تسبّب باندلاع الاشتباك العنيف مع «الحزب».
ومن قبيل التكتيك السياسي، سلّف «الحزب» حكومة نواف سلام موقفاً إيجابياً في المجلس النيابي، إذ وفّر للموازنة الثقة، مع شريكه في الثنائي الرئيس نبيه بري، فيما غالبية خصوم «الحزب» وداعمي سلام، صوّتوا ضدّها. وبهذا التكتيك أراد «الحزب» حماية الحكومة التي يشارك فيها بفاعلية. وعلى الأقل، أراد تجنّب الفوضى التي ربما يريدها خصومه، بهدف قلب الطاولة في الداخل رأساً على عقب وخلط الأوراق.
يدرك «الحزب» أنّ المواجهة مع العهد، وتحديداً الرئيس عون وحليفه التقليدي قائد الجيش الذي سيُكلّف تنفيذ الشروط الدولية، ربما أصبحت أمراً واقعاً. ولذلك، جاء رفع «الحزب» سقفه استباقاً للتنازلات التي ستُطلب منه حتماً، تحت الضغط الأميركي. ويريد «الحزب» إفهام الداخل والخارج أنّ ممارسة الضغوط عليه، في محاولة لنزع السلاح، ستتسبب في إثارة الفوضى السياسية الشاملة، ولن تحقق الغاية المطلوبة.
الأخطر هو المفاجأة التي جاءت من جانب «الحزب»، بشن هجوم صاعق على السفير سيمون كرم، رئيس الوفد اللبناني المفاوض. فتعيين كرم ليس جديداً، وقد سكت عنه «الحزب» لمدة طويلة. ولكنه الآن اختار توقيت الهجوم عليه. وهذه الحملة هي نصف الطريق إلى التخوين. وهي تعكس القلق الذي يعيشه «الحزب» من تحول التفاوض داخل «الميكانيزم» أو على جانبها، إلى مسار سياسي مدني، وفق النموذج السوري.
في النهاية، لا بدّ أن يصل التفاوض إلى نتيجة معينة. و«الحزب» يخشى ذلك. وقد تتوصل مفاوضات الناقورة إلى صياغة «اتفاق إطاري» حول السلاح، يضطر الجيش إلى تنفيذه، ويضطر «الحزب» إلى مواجهة هذا الاستحقاق.
ولذلك، على الأرجح، لن تكون عودة اجتماعات الناقورة في 25 الجاري خبراً ساراً على المستوى اللبناني، كما يؤمل، بل ستكون أقرب إلى استحقاق الوصول إلى لحظة المواجهة، لأنّ «الميكانيزم الجديدة» ستكون أقرب إلى محكمة ميدانية تحركها الولايات المتحدة وإسرائيل.
ستضع إسرائيل إحداثيات شمال الليطاني على طاولة الاجتماعات، وتطلب من الجيش اللبناني التنفيذ. وسيكون الضغط العسكري عنيفاً: فإما أن ينزع الجيش سلاح «حزب الله»، وإما أن تقوم مقاتلات إسرائيل ومسيّراتها بالمهمّة. وطبعاً، ستلاقيها إدارة ترامب بمواصلة وقف كل أشكال الدعم المالي للبنان والجيش، أو حصر هذا الدعم بما يحتاج إليه الجيش من أجل تنفيذ المهمّات التي تطلبها «الميكانيزم» لا أكثر.
هذا الواقع سيدفع الداخل اللبناني إلى «ارتطام عنيف». والأسابيع المقبلة مفصلية، وقد تحدّد وجه لبنان لعقود. فإذا استمر «الحزب» في هجومه ووصل إلى حدّ تخوين الدولة، وتحديداً الرئاسة والوفد المفاوض، فإنّه سيقطع شعرة معاوية مع الجميع، كما سيحرج الرئيس نبيه بري الذي يميل أيضاً إلى الحل «العقلاني». والمأزق يكمن في أنّ أحداً في الداخل ليس قادراً على المماطلة بعد اليوم، فهامش المناورة انتهى بانطلاق المرحلة الثانية من خطة حصر السلاح. وعلى الجميع أن يتجنّب أي احتكاك قد يقع في الداخل، منعاً للكوابيس. إنّه فعلاً «عنق الزجاجة».